سعيد حوي

188

الأساس في التفسير

أمروا أن يكون سماعهم سماع طاعة ، فكان سماعهم سماع عصيان ، وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ أي أشربوا حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم ، فداخلهم حبه ، والحرص على عبادته ، كما يتداخل الصبغ الثوب ، وقوله فِي قُلُوبِهِمُ بيان لمكان الإشراب بِكُفْرِهِمْ أي بسبب كفرهم ، واعتقادهم التشبيه . قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه من كفر ومخالفة ، فكيف تدعون لأنفسكم الإيمان وقد فعلتم هذه الأفاعيل القبيحة من نقضكم المواثيق وكفركم بآيات الله وعبادتكم العجل من دون الله ؟ ؟ . هم يدعون الإيمان ، والإيمان يقتضي طاعة ، وهم يعصون ، هم يدعون الإيمان بالتوراة وليس في التوراة عبادة عجل ، فأي إيمان هذا الذي يأمرهم بعبادة العجل وبمحبته ؟ فإذا كان هذا هو إيمانهم الذي سول لهم مثل هذه القبائح فإنه هو هو نفس الإيمان الذي يسول لهم أفظع قبيح ، وهو عدم الإيمان بالقرآن . وقوله تعالى بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ من باب الأسلوب التهكمي ، لأن الأصل في الإيمان ألا يأمر صاحبه بمثل هذا وفي قوله تعالى إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم . هذه أول حجة عليهم في هذه المجموعة تكمل حجج المجموعة السابقة عليهم في رفضهم الإيمان بحجة إيمانهم بالتوراة . ثم تأتي الحجة الثانية . ويتجه السياق إلى التحدي ، ليضع اليهود على المحك في قضية الإيمان ، ليثبت لهم بما لا يقبل الجدل أنهم غير مؤمنين ، وأنهم كفرة ، وذلك أنهم إذا كانوا صادقين في دعواهم من أنهم أهل الحق ، وأنهم عباد الله المصطفون ، وأنهم غير مكلفين بالاستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا يقتضي أن يكونوا هم المستحقين ثواب الله الذي أعده لأوليائه في الآخرة التي يؤمنون بها ، والإنسان الذي يثق بهذا الثواب ، ويعرف أن الآخرة خير من الدنيا ، يتمنى هذه الآخرة ، ويفضلها على الدنيا ، وبالتالي فإن الموت أحب إليه من الحياة فهل هم كذلك ؟ لا ؛ إذن فهم كاذبون . . أو يقال : من كان مطمئنا إلى أنه على الحق ، وإلى أن غيره ليس كذلك ، فهو على استعداد لأن يدعو الله أن يميت من كان على الباطل هو أو خصمه ، وهو يفعل هذا وهو مطمئن إلى النتيجة ، فإذا كان اليهود يرفضون هذا ، فذلك علامة على أنهم يعلمون حق العلم أنهم على الباطل .